وضاح الجليل: “خرافة الحماية”

يملك المدافعون عن الجنرال علي محسن الأحمر وفرقته المدرعة عبارات يرددونها كلازمة في كل مناسبة، وبدون حتى ضرورة لذلك، ينبري أحدهم وكأنه سيدافع عن ضحايا حقيقيين، أو قضية تستحق أن يفني المرء عمره لأجلها: “لولا علي محسن الأحمر وفرقته، لكان علي عبد الله صالح حوَّل الساحات إلى مقابر جماعية”. ولاحظوا هنا أن كلمة الساحات ترد بديلاً غير منطقي أو مقبول نيابة عن كلمة الساحة، فقوات علي محسن لا تستطيع أن تتواجد إلا ضمن نطاق تواجد ساحة التغيير في صنعاء، ولا تستطيع التمدد إلا بتمدد هذه الساحة، وبتضحيات الشباب الذين يواجهون أسلحة النظام بصدور عارية، ثمَّ تأتي قوات الفرقة لاحقاً لتقف في المداخل الجديدة للساحة، وفيستمر الجنرال والناطقين باسم فرقته ومن نصبوا أنفسهم للحديث باسم الثورة في التأكيد على أن هذه الفرقة تحمي الثورة والثوار.

شهد الثامن من سبتمبر الجاري، والأيام الأربعة التي تلته سقوط عددٍ مهول من الضحايا كانوا يواجهون قوات النظام ومرتزقته عزلاً من أيِّ سلاح، في حين خاضت قوات الفرقة مواجهاتها مع بعض وحدات الأمن المركزي في معارك بدت بعيدة تماماً عن تسمية “الثورة السلمية” التي استمرت لوحدها تقلق النظام وتهدد وجوده، ليمطرها بالرصاص والقذائف من مواقع بعيدة عن الفرقة وقواتها، وإلى عمق الساحة، كانت قوات علي محسن حينها مشغولة بالدفاع عن نفسها، وبدت عاجزة في ذلك، فبين الحين والآخر يشتكي الجنرال من سقوط القذائف على مواقعه، ويخرج المجلس الوطني لإدانة ذلك القصف الذي يستهدف مواقع الفرقة في نفس العبارات التي تحمل إدانة لقصف الساحة، فيبدو وكأن الأمرين متساويان، يتهم المجلس وعلي محسن في بياناتهما النظام بمحاولة جر البلاد إلى حرب أهلية، وهذا أمرٌ مفروغ منه، فالنظام يسعى لعسكرة الوضع بشتى السبل، لكن بيانات الجنرال والمجلس الوطني تخرج إلى العلن مسكونة بمنطق أعرج، حيث تبد قوات الفرقة التي تواجه قوات الأمن المركزي في مناطق عدة من العاصمة، وكأنها تقوم بعمل سلمي بحت، ولا يوجد ما يستدعي استنكار أعمالها.

لم تكن الثورة بحاجة إلى حماية، لأن الثورة هي من تحمي الجميع بما في ذلك أنصار النظام أنفسهم ومن كانوا إلى أمس قريب جزءاً منه، وتحولوا فجأة إلى ثوار يتهمون غيرهم بالتبعية للنظام لمجرد الاختلاف معهم، أو انتقادهم الأخطاء الفادحة التي تصيب الثورة السلمية، وتنتقص من قيمها الأخلاقية، ويبدو أن أحد أكبر تلك الأخطاء كانت الغفلة التي أصابت الكثيرين تجاه مزاعم حماية الثورة، كون الثورات لا تحتاج إلى حماية من خارجها، أو وصاية من أحد، وتاريخ جميع الثورات يقول أنها تحمي نفسها ذاتياً، وتجدد نفسها من الداخل، دون الحاجة إلى الوصاية من أية أطراف أخرى، وإذا كانت الثورة مكونة من مجموع أفراد خرجوا جميعاً لنقض واقعهم في استعداد تام لتقديم تضحيات بالغة الجسامة، فإن حاجتهم للحماية أو تفضُّل جهة ما لحمايتهم تنفي عنهم تلك التضحيات، وتحولهم إلى تابعين أو دروعٍ بشرية، فتصبح تلك الحماية مجرد أكذوبة هشة جداً، وإن كانت انطلت على أحدٍ هنا، فإن ذلك لم يكن سوى لأن من خرجوا لإسقاط النظام كانوا شباباً يملكون من الصدق وحسن النوايا ما يكفي لخداعهم من قبل منافقي السياسة الذين وجدوا أنفسهم في تيار تلك الثورة رغماً عنهم كأقرب ما يكونون إلى الخروج من المعادلة إلى الهامش، واكتشفوا أن بقائهم يقتضي الاحتماء بقوى تقليدية من مكونات النظام تعيد إنتاج نفسها باعتلاء الثورة، وتعيدهم إلى الدور الذي لا يملكون إلا أن يبقوا فيه، كون الثورة جاءت نتيجة عجزهم عن إنجاح أية عملية سياسية تمكن التغيير من الحدوث.

عندما كان النظام يقوم عبر أنصاره بتكديس الأسلحة في مبانٍ محيطة بساحة التغيير، ويعدّ العدة لتنفيذ السيناريو الذي حدث خلال الأيام الماضية، كانت قوات الفرقة الأولى مدرع والمليشيات الأمنية التابعة للتجمع اليمني للإصلاح مشغولة بملاحقة الناشطين والناشطات في الساحة، والاعتداء عليهم واعتقالهم وترهيبهم بحجج مختلفة بينها الاختلاط، أو التظاهر ضد اللجنة التنظيمية، أو تنفيذ أنشطة محرمة في نظر تلك المليشيات المسماة بـ”لجان النظام” واللجنة التنظيمية.

كان الانشغال بملاحقة وإيذاء الناشطين في الساحة الهم والشاغل الأول لقوات الفرقة واللجان الأمنية، وبرغم أن تجمع الإصلاح يسيطر تنظيمياً على الساحة، وعلى المناطق المحيطة بها، ويملك المعلومات الكافية عن أنشطة وتحركات أنصار النظام في المنطقة، مثلما يستطيع الحصول على معلومات دقيقة ومهمة من داخل القصر الرئاسي، والأجهزة والمؤسسات التابعة له؛ فإن تلك المليشيات، وقوات الفرقة تغاضت عن كلُ ذلك، وكان أنصار النظام ممن تمَّ توزيع الأسلحة عليهم يقتربون من الحواجز الأمنية التي يقف فيها جنود الفرقة، ويقومون باستفزازهم في حوادث كثيرة، إلا أن أولئك الجنود كانوا يلتزمون التغاضي عن ذلك، بحجة أنَّ لا أوامر عسكرية عليا تتيح لهم التعامل مع تلك الاستفزازات، في الوقت الذي يتعرض فيه مرتادو الساحة لإجراءات تفتيش دقيقة، مصحوبة بإهانات في بعض الأحيان لمجرد الاشتباه في إدخال أوراق أو منشورات أو أية أشياء أخرى ممنوعة ترى فيها اللجان النظامية خطراً يستوجب منع دخولها، وشمل ذلك في أحيانٍ كثيرة علم البحرين.

يبدو الأمر مقبول من جندي عادي قد يخسر كثيراً إن حاول التعامل مع مثل تلك الحالات دون أوامر عليا، لكن الأمر غير المبرر هو صمت الجهات سالفة الذكر عن استعدادات النظام لعمليات القنص التي شهدها الأسبوع قبل الماضي إلى داخل الساحة، واستهداف مرتادي الساحة في الشوارع المنافذ المؤدية إليها، وهذا وحده فقط يكفي للتأكيد على أن مسألة “حماية الثورة” كانت كذبة –لا أستطيع وصفها بالكبرى- صدقها من صدق، وتغاضى من تغاضى عن حقيقتها، وبحت أصوات كثيرين لكشفها دون فائدة، فجاءت أحداث الثامن من سبتمبر وما بعدها لتكشف عنها ميدانياً.

في الثامن عشر من يناير كان شباب الثورة يسقطون ضحايا رصاص أمن ومرتزقة النظام، وكان الناطق الرسمي للفرقة الأولى مدرع عسكر زعيل يقفز إلى صدارة المشهد ليعلن عبر بيان عسكري استمرار ما يسميه بـ”الجيش المؤيد للثورة” في “حماية الثوار في ثورتهم الشعبية السلمية”، بطريقة لا تعدو أن تكون قفزاً على الوقائع، وبحثاً عن أرباح يحققها هو وقادته على حساب الدماء التي سالت بغزارة، والأجساد التي هشمتها نيران النظام، فعلي الواقع كان الثوار العزل يمدون مساحة اعتصامهم الاحتجاجي إلى مناطق لم تجرؤ الفرقة حتى على التفكير في الوصول إليها، وعندما وصلها الشباب العزل؛ كانت الفرقة جاهزة لسرقة تلك التضحيات، فتقدمت ودخلت في معارك مسلحة مع قوات على عبد الله صالح وأبنائه، وبانتهازية واضحة الملامح؛ كان أمراء الحرب يعتدون على سلمية الثورة ببشاعة لا تقل عن بشاعة الطرف الآخر.

زعيل نفسه هو من أطلق البيان التالي، فكان أسوأ من سابقه في كلِّ شيء، وبلغ به الاستخفاف بعقول الناس في الساحة وخارجها أنه وفي نفس اللحظة التي حاول التأكيد فيها بعبارات إنشائية على أن جماجم الجنود تحت أقدام الثوار حسب تعبيره، أو بمعنىً آخر أن هؤلاء الجنود ينتظرون فقط أوامر الثوار؛ ذهب للتهديد بقدرة فرقته على الوصول إلى السبعين، مشدداً على أن المواجهات العسكرية لم تحدث بعد، كان زعيل إذن يؤكد قدرته وقادته على الاستخفاف بالعقول بدون حياء، كان من ناحية يستخف بدماء الضحايا الذين سقطوا وهم يمدون مساحة ثورتهم، فينسب ما حققته صدروهم العارية لقوات الفرقة التي تسرق تضحياتهم، قبل أن تتراجع متخلية عن تلك المساحات إما مهزومة أو متواطئة، ومن ناحية أخرى يتحدث عمَّا جرى وسط العاصمة وراح ضحيته المئات من البشر، ونزح هرباً منه الآلاف، كأنه يتحدث عن مباراة كرة قدم لا أكثر، وعسكر زعيل هو نفسه من تحدث قبل أشهر عن القدرة على التضحية بـ”200 ألف” من أجل إسقاط علي عبد الله صالح، بلغة يبدو أنها لا تعطي الإنسان قيمة سوى أرقامٍ يمكن رصها بسهولة، فلو افترضنا أن هؤلاء الـ”200 ألف” كانوا أبناء لزعيل يحسن إليهم يومياً، ويقيهم الحر والبرد والجوع والعطش، لما أمكن لأي عاقل أو مجنون أن يعطيه حق التضحية بهم، أو حتى الحديث نيابة عنهم.

لا يكف “حماة الثورة” عن تقديم كلَّ ما من شأنه التأكيد على استخفافهم بكلِّ شيء، ففي أحد بياناتهم، التي يبدو أنه يتم سلقها وتقديمها طازجة عن عمدٍ، لم ينسوا تكرار أنفسهم والتأكيد على أن “صالح مارس خلال حكمه الاستبداد في الشمال، والاستعمار في الجنوب في آن واحد”، واتهامه بـ”الانحراف بمسار ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وأهدافهما، وتحويل اليمن إلى إقطاعية خاصة به”، كأن ذاكرة اليمنيين لا تحتفظ بوجودهم ضمن نظام صالح في مواقع الدفاع عنه، وخدمته على حساب أرواح اليمنيين وثرواتهم وتاريخهم، فكانوا في مقدمة طلائع “استعمار الجنوب”، وحماة قصره وكرسيه الذي انحرف 33 عاماً بأهداف الثورة.

يبدو إذن أن الثورة والثوار في كل الساحات بحاجة حقيقية للحماية من هؤلاء الحماة، لكن تلك الحماية لا تغيب أو تتلكأ في الحضور، لأن الذاكرة اليمنية بدأت تكفُّ عن الغياب، وأصبح اليمنيون قادرين على استحضار تاريخهم المليء بالأحزان والمآسي، والتعلم منه، صحيح أن النفاق السياسي أوقع الثورة في مأزق الوصاية عليها من قبل الحماة؛ بيد أن مزاولي هذا النفاق أصبحوا بحاجة لحمايتهم من وصاية الحماة أنفسهم، فعلي محسن الأحمر لم يضع أية قيمة أو اعتبار لوجود قادة الأحزاب السياسية في كثير من المناسبات، فهو من يلتقي بالسفراء والمبعوثين الدوليين دون أي اعتبار لهم، وهو من استبدل بزته العسكرية يوم عيد الفطر ببزة مدنية أنيقة ليوجه كلمة إلى الشعب بصفة لم يعلن عنها، وهو الآن من يحمي أولئك النفر من السياسيين الذين وجدوا أنفسهم في ورطة الحماية هذه، فاكتشفوا بعد فوات الأوان أن الثورة تحميهم وتحمي الجنرال الذي يتحكم بمصائر قراراتهم، وأن حماية الثورة لهم ولجنرالهم كانت العبء الذي آخرها كثيراً، وأضرَّ بها أكثر، وهذا ما بات يعرفه اليمنيون في الساحات وخارجها.

Advertisements

حول revolutiontaiz
صادق غانم كاتب وناشط حقوقي ومدون يمني

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: